فصل: سورة الانفطار

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة النازعات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ‏(‏1‏)‏ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ‏(‏2‏)‏ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ‏(‏3‏)‏ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ‏(‏4‏)‏ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ‏(‏6‏)‏ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ‏(‏7‏)‏ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ‏(‏8‏)‏ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ‏(‏9‏)‏ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ‏(‏10‏)‏ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ‏(‏11‏)‏‏}‏

قال ابن مسعود وابن عباس‏:‏ ‏{‏النازعات‏}‏، الملائكة تنزع نفوس بني آدم، و‏{‏غرقاً‏}‏ على هذا القول إما أن يكون مصدر بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن يكون كما قال علي وابن عباس‏:‏ تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم، وقال السدي وجماعة‏:‏ ‏{‏النازعات‏}‏‏:‏ النفوس تنزع بالموت إلى ربها، و‏{‏غرقاً‏}‏ هنا بمعنى الإغراق أي تغرق في الصدر، وقال عطاء فيما روي عنه‏:‏ ‏{‏النازعات‏}‏ الجماعات النازعات بالقسي، و‏{‏غرقاً‏}‏ بمعنى الإغراق، وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش ‏{‏النازعات‏}‏‏:‏ النجوم لأنها تنزع من أفق إلى أفق، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏النازعات‏}‏، النفوس التي تحن إلى أوطانها وتنزع إلى مذاهبها ولها نزاع عند الموت، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏النازعات‏}‏ المنايا لأنها تنزع نفوس الحيوان، وقال عطاء وعكرمةة‏:‏ ‏{‏النازعات‏}‏ القسي أنفسها لأنها تنزع بالسهام واختلف المتأولون في ‏{‏الناشطات‏}‏، فقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ هي الملائكة لأنها تنشط النفوس عند الموت، أي تحلها كحل العقال وتنشط بأمر الله أي حيث كان، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏النشاطات‏}‏‏:‏ المنايا، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة والأخفش والحسن‏:‏ ‏{‏الناشطات‏}‏ النجوم لأنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب وتسير بسرعة، ومن ذلك قيل البقر الوحش النواشط لأنهن يذهبن بسرعة من موضع إلى آخر، وقال عطاء‏:‏ ‏{‏الناشطات‏}‏ في الآية‏:‏ البقرة الوحشية وما جرى مجراها من الحيوان الذي ينشط من قطر إلى قطر، ومن هذا المعنى قول الشاعر ‏[‏همان بن قحافة‏]‏‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

أرى همومي تنشط المناشطا *** الشام بي طوراً وطوراً واسطا

وكأن هذه اللفظة في هذا التأويل مأخوذة من النشاط، وقال عطاء أيضاً وعكرمة‏:‏ ‏{‏الناشطات‏}‏ الأوهان‏.‏ ويقال‏:‏ نشطت البعير والإنسان إذا ربطته ونشطته‏:‏ إذا حللته، وحكاه الفراء وخولف فيه ومنه الحديث «كأنما أنشط من عقال»، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ ‏{‏الناشطات‏}‏ النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، و«السبح»‏:‏ العوم في الماء، وقد يستعمل مجازاً في خرق الهواء والتقلب فيه، واختلف في ‏{‏السابحات‏}‏ في الآية، فقال قتادة والحسن‏:‏ هي النجوم لأنها تسبح في فلك، وقال مجاهد وعلي رضي الله عنه‏:‏ هي الملائكة لأنها تتصرف في الآفاق بأمر الله تجيء وتذهب، وقال أبو روق‏:‏ ‏{‏السابحات‏}‏ الشمي والقمر والليل والنهار، وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏السابحات‏}‏‏:‏ السماوات، لأنها كالعائمة في الهواء، وقال عطاء وجماعة‏:‏ ‏{‏السابحات‏}‏‏:‏ الخيل، ويقال للفرس‏:‏ سابح، وقال آخرون‏:‏ ‏{‏السابحات‏}‏ الحيتان، دواب البحر فما دونها وذلك من عظيم المخلوقات، فروي أن الله تعالى بث في الدنيا ألف نوع من الحيوان، منها أربعمائة في البر وستمائة في البحر، وقال عطاء أيضاً‏:‏ ‏{‏السابحات‏}‏‏:‏ السفن، وقال مجاهد أيضاً‏:‏ ‏{‏السابحات‏}‏‏:‏ المنايا تسبح في نفوس الحيوان، واختلف الناس في ‏{‏السابقات‏}‏، فقال مجاهد‏:‏ هي الملائكة، وقيل الرياح وقال عطاء هي الخيل، وقيل‏:‏ النجوم، وقيل المنايا تسبق الآمال، وقال الشاعر ‏[‏عدي بن زيد‏]‏‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وأما ‏{‏المدبرات‏}‏، فلا أحفظ خلافاً أنها الملائكة ومعناه أنها تدبر الأمور التي سخرها الله تعالى وصرفها فياه كالرياح والسحاب وسائر المخلوقات، وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏الراجفة‏}‏‏:‏ الأرض تهتز بأهلها لنفخة الصور الأولى، وقيل‏:‏ ‏{‏الراجفة‏}‏‏:‏ النفخة نفسها، و‏{‏الرادفة‏}‏‏:‏ النفخة الأخرى، ويروى بينهما أربعين سنة، وقال عطاء‏:‏ الراجفة‏:‏ القيامة نفسها، و‏{‏الرادفة‏}‏‏:‏ البعث، وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏الراجفة‏}‏‏:‏ الموت، و‏{‏الرادفة‏}‏‏:‏ الساعة، وقال أبي بن كعب‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام وقال‏:‏ «يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»، ثم أخبر تعالى عن قلوب تجف ذلك اليوم، أي ترتعد خوفاً وفرقاً من العذاب، ووجيف القلب يكون من الفزع ويكون من الإشفاق، ومنه قول الشاعر قيس بن الحطيم‏:‏ ‏[‏المنسرحُ‏]‏

إن بني جحجما وأسرتهم *** أكبادنا من ورائهم تجف

ورفع ‏{‏قلوب‏}‏ بالابتداء وجاز ذلك وهي نكرة لأنها قد تخصصت بقوله‏:‏ ‏{‏يومئذ‏}‏، واختلف الناس في جواب القسم أي هو، فقال الفراء والزجاج‏:‏ هو محذوف دل الظاهر عليه تقديره‏:‏ لتبعثن أو لتعاقبن يوم القيامة، وقال بعض النحاة‏:‏ هو في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لعبرة لمن يخشى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 26‏]‏، وهذا ضعيف لبعد القول ولأن المعنى هالك يستحق ابن، وقال آخرون‏:‏ هو في قوله ‏{‏يوم‏}‏ على تقدير حذف اللام كأنه قال ليوم، وقال آخرون‏:‏ وهو موجود في جملة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ترجف الراجفة قلوب يومئذ راجفة‏}‏ كأنه قال‏:‏ لتجفن قلوب يوم كذا، ولما دلت على أصحابها ذكر بعد ذلك أبصارها، وخشوعها ذلها، وما يظهر فيها من الهم بالحال، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يقولون‏}‏ هي حكاية حالهم في الدنيا معناه‏:‏ هم الذين يقولون وقولهم ‏{‏أئنا‏}‏ هو على جهة الاستخفاف والعجب والتكذيب، وقرأ ابن أبي إسحاق وابن يعمر‏:‏ «أإنا» بهمزتين ومدة على الاستفهام، وقرأ جمهور القراء‏:‏ «أئنا» باستفهام وهمزة واحدة، و‏{‏الحافرة‏}‏ لفظة توقعها العرب على أول أمر رجع إليه من آخره، يقال‏:‏ عاد فلان في الحافرة، إذا ارتكس في حال من الأحوال ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أحافرة على صلع وشيب *** معاذ الله من سفه وعار

والمعنى‏:‏ ‏{‏أئنا لمردودون‏}‏ إلى الحياة بعد مفارقتها بالموت، وقال مجاهد والخليل‏:‏ ‏{‏الحافرة‏}‏ الأرض فاعلة بمعنى محفورة، وقيل بل هو على النسب أي ذات حفر، والمراد‏:‏ القبور لأنها حفرت للموتى، فالمعنى ‏{‏أئنا لمردودون‏}‏ أحياء في قبورنا، وقال زيد بن أسلم‏:‏ ‏{‏الحافرة‏}‏ في النار، وقرأ أبو حيوة «في الحفرة» بغير ألف، فقيل‏:‏ هو بمعنى ‏{‏الحافرة‏}‏، وقيل هي الأرض المنتنة المتغيرة بأجساد موتاها من قولهم حفرت أسنانه إذا تأكلت وتغير ريحها، و«الناخرة»‏:‏ المصوتة بالريح المجوفة، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وأخليتها من مخها فكأنها *** قوارير في أجوافها الريح تنخر

ويروى تصفر وناخرة، هي قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس وابن الزبير ومسروق ومجاهد وجماعة سواهم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والحسن والأعرج وأبو رجاء وجعفر وشيبة وأبو عبد الرحمن وابن جبير وأهل مكة وشبل وقتادة وأيوب والنخعي‏:‏ «نخرة»، دون ألف بعد النون، ومعناه‏:‏ بالية متعفنة قد صارت رميماً، يقال‏:‏ نخر العود والعظم‏:‏ إذ بلي وصار يتفتت، وحكي عن أبي عبيدة وأبي حاتم والفراء وغيرهم أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد كطامع وطمع وحاذر وحذر، والأكثر من الناس على ما قدمناه‏.‏ قال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ «الناخرة» التي لم يتنخر بعد والنخرة التي قد بليت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 24‏]‏

‏{‏قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ‏(‏12‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ‏(‏13‏)‏ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ‏(‏14‏)‏ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ‏(‏15‏)‏ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ‏(‏16‏)‏ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ‏(‏17‏)‏ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ‏(‏19‏)‏ فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ‏(‏20‏)‏ فَكَذَّبَ وَعَصَى ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ‏(‏22‏)‏ فَحَشَرَ فَنَادَى ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ‏(‏24‏)‏‏}‏

ذكر الله تعالى عنهم قولهم‏:‏ ‏{‏تلك إذاً كرة خاسرة‏}‏ وذلك أنهم لتكذيبهم بالبعث، وإنكارهم، قالوا‏:‏ لو كان هذا حقاً، لكانت كرتنا ورجعتنا خاسرة وذلك لهم إذ هي النار، وقال الحسن‏:‏ ‏{‏خاسرة‏}‏ معناه‏:‏ كاذبة أي ليست بكائنة، وروي أن بعض صناديد مكة قال ذلك، ثم أخبر الله تعالى عن حال القيامة، فقال ‏{‏فإنما هي زجرة واحدة‏}‏، أي نفخة في الصور فإذا الناس قد نشروا وصاروا أحياء على وجه الأرض، وفي قراءة عبد الله «فإنما هي رقة واحدة» و‏{‏الساهرة‏}‏‏:‏ وجه الأرض، ومنه قول أمية بن أبي الصلت‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وفيها لحم ساهرة وبحر *** وما فاهوا به فلهم مقيم

وقال وهب بن منبه‏:‏ ‏{‏الساهرة‏}‏‏:‏ جبل بالشام يمده الله لحشر الناس يوم القيامة كيف شاء، وقال أبو العالية وسفيان‏:‏ ‏{‏الساهرة‏}‏‏:‏ أرض قريبة من بيت المقدس، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏الساهرة‏}‏‏:‏ جهنم، لأنه لا نوم لمن فيها وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الساهرة‏}‏‏:‏ أرض مكة، وقال الزهري‏:‏ ‏{‏الساهرة‏}‏‏:‏ الأرض كلها، ثم وقف تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على جهة جمع النفس لتلقي الحديث، فقال‏:‏ ‏{‏هل أتاك حديث موسى‏}‏ الآية، و«الوادي المقدس»‏:‏ واد بالشام، قال منذر بن سعيد‏:‏ هو بين المدينة ومصر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والأعمش وابن إسحاق‏:‏ «طِوىً» بكسر الطاء منونة، ورويت عن عاصم، وقرأ الجمهور‏:‏ «طُوى» بضمها، وأجرى بعض القراء «طوى» وترك إجراءه ابن كثير وأبو عمرو ونافع وجماعة، وقد تقدم شرح اللفظة في سورة طه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اذهب إلى فرعون‏}‏ تفسير النداء الذي ناداه به، ويحتمل أن يكون المعنى قال ‏{‏اذهب‏}‏ وفي هذه الألفاظ استدعاء حسن، وذلك أنه أمر أن يقول به‏:‏ ‏{‏هل لك أن تزكى‏}‏، وهذا قول جواب كل عاقل عنده نعم أريد أن أتزكى، والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، وفسر بعضهم‏:‏ ‏{‏تزكى‏}‏ بتسلم وفسرها بقول‏:‏ لا إله إلا الله، وهذا تخصيص وما ذكرناه يعم جميع هذا، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بخلاف عنه‏:‏ «تزّكى» بشد الزاي، وقرأ الباقون «تزَكى» بتخفيف الزاي، ثم أمر موسى أن يفسر له التزكي الذي دعاه إليه بقوله‏:‏ ‏{‏وأهديك إلى ربك فتخشى‏}‏، والعلم تابع للهدى والخشية تابعة للعلم، ‏{‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 28‏]‏، و‏{‏الآية الكبرى‏}‏‏:‏ العصا واليد، قاله مجاهد وغيره، وهما نصب موسى للتحدي فوقعت المعارضة في الواحدة وانقلب فيها فريق الباطل، وقال بعض المفسرين‏:‏ ‏{‏أدبر يسعى‏}‏ حقيقة قام من موضعه مولياً فاراً بنفسه عن مجالسة موسى عليه السلام، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏أدبر‏}‏ كناية عن إعراضه عن الإيمان، و‏{‏يسعى‏}‏ معناه‏:‏ يتحذم حل أمر موسى عليه السلام والرد في وجه شرعه، وقوله ‏{‏فحشر‏}‏ معناه‏:‏ جمع أهل مملكته ثم ناداهم بقوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ المعنى‏:‏ فنادى فحشر، وقوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ نهاية في المخرقة ونحوها باق في ملوك مصر وأتباعهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 36‏]‏

‏{‏فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ‏(‏25‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ‏(‏26‏)‏ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ‏(‏27‏)‏ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ‏(‏28‏)‏ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ‏(‏29‏)‏ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ‏(‏30‏)‏ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ‏(‏31‏)‏ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ‏(‏32‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏33‏)‏ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ‏(‏34‏)‏ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ‏(‏35‏)‏ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏نكال‏}‏ منصور على المصدر، قال قوم ‏{‏الآخرة‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏، و‏{‏الأولى‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏، وروي أنه مكث بعد قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏ أربعين سنة، وقيل هذه المدة بين الكلمتين، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الأولى‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 38‏]‏، و‏{‏الآخرة‏}‏ قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 24‏]‏ وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏الأولى‏}‏ الدنيا، و‏{‏الآخرة‏}‏‏:‏ الدار الآخرة، أي أخذه الله بعذاب جهنم وبالغرق في الدنيا، وقال مجاهد‏:‏ عبارة عن أول معاصيه وكفره وآخرها أي نكل بالجميع، و‏{‏نكال‏}‏ نصب على المصدر، والعامل فيه على رأي سيبويه «أخذ» لأنه في معناه، وعلى رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ ‏{‏نكال‏}‏، ثم وقف تعالى على موضع العبرة بحال فرعون وتعذيبه، وفي الكلام وعيد للكفار المخاطبين برسالة محمد عليه السلام، ثم وقفهم مخاطبة منه تعالى للعالم والمقصد الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ قل لهم يا محمد ‏{‏أأنتم أشد خلقاً‏}‏ الآية، وفي هذه الآية دليل على أن بعث الأجساد من القبور لا يتعذر على قدرة الله تعالى، و«السمك»‏:‏ الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسواها‏}‏ يحتمل أن يريد جعلها ملساء مستوية ليس فيها مرتفع ومنخفض، ويحتمل أن يكون عبارة عن إتقان خلقها ولا يقصد معنى إملاس سطحها والله تعالى أعلم كيف هي ‏{‏وأغطش‏}‏ معناه‏:‏ أظلم، والأغطش الأعمى ومنه قول الشاعر ‏[‏الأعشى‏]‏‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

نحرت لهم موهناً ناقتي *** وليلُهم مدلهمٌّ عطش

ونسب الليل والضحى إليها من حيث هما ظاهران منها وفيها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والأرض بعد ذلك دحاها‏}‏ متوجه على أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فخلقها وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقرأ مجاهد‏:‏ و«الأرض مع ذلك»، وقال قوم‏:‏ إن ‏{‏بعد ذلك‏}‏ معناه مع ذلك، والذي قلناه تترتب عليه آيات القرآن كلها، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض حيث هما يظهران فيها، ودحو الأرض بشطها ومنه قول أمية بن أبي الصلت‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

دار دحاها ثم أسكننا بها *** وأقام بالأخرى التي هي أمجد

وقرأ الجمهور‏:‏ «والأرضَ» نصباً، وقرأ الحسن وعيسى، و«الأرضُ» بالرفع، وقرأ الجمهور‏:‏ و«الجبالَ» نصباً، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد‏:‏ «والجبالُ» رفعاً، و‏{‏أرساها‏}‏ معناه‏:‏ أثبتها، وجمع هذه النعم إذا تدبرت فهي متاع للناس، و«الأنعام» يتمتعون فيها وبها، وقرأ الجمهور‏:‏ «متاعاً» بالنصب، وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «متاعٌ» بالرفع، و‏{‏الطامة الكبرى‏}‏ هي القيامة، قاله ابن عباس والضحاك، وقال الحسن وابن عباس أيضاً‏:‏ النفخة الثانية، وقوله‏:‏ ‏{‏ما سعى‏}‏ معناه‏:‏ ما عمل من سائر عمله، ويتذكر ذلك بما يرى جزائه، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «وبُرِّزت» بضم الباء وشد الراء المكسورة، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة‏:‏ «وبَرَزت» بفتح الباء والراء، وقرأ جمهور الناس «لمن يرى» بالياء أي لمن يبصر ويحصل، وقرأ عكرمة ومالك بن دينار وعائشة‏:‏ «لمن ترى» بالتاء أي تراه أنت، فالإشارة إلى كفار مكة أو أشارة إلى الناس، والمقصد كفار مكة، ويحتمل أن يكون المعنى‏:‏ لمن تراه الجحيم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إذا رأتهم من مكان بعيد‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 12‏]‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ «لمن رأى» على فعل ماض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 46‏]‏

‏{‏فَأَمَّا مَنْ طَغَى ‏(‏37‏)‏ وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏38‏)‏ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏39‏)‏ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ‏(‏40‏)‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ‏(‏41‏)‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ‏(‏42‏)‏ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ‏(‏43‏)‏ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ‏(‏44‏)‏ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ‏(‏45‏)‏ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏طغى‏}‏ معناه‏:‏ تجاوز الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها بأن كفر وآثر الحياة الدنيا على الآخرة لتكذيبه بالآخرة و‏{‏المأوى‏}‏ والمسكن حيث يأوي المرء ويلازم، و‏{‏مقام ربه‏}‏ هو القيامة، وإنما المراد مقامه بين يدي ربه، فأضاف المقام إلى الله عز وجل من حيث بين يديه وفي ذلك تفخيم للمقام وتعظيم لهوله وموقعه من النفوس، قال ابن عباس‏:‏ المعنى خافه عند المعصية فانتهى عنها، و‏{‏الهوى‏}‏ هو شهوات النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله إنما هو في غير المحمود، قال سهل التستري‏:‏ لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين، وقال بعض الحكماء‏:‏ إذا أردت الصواب فانظر هواك فخالفه، وقال الفضيل‏:‏ أفضل الأعمال خلاف الهوى، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة‏}‏ الآية نزلت بسبب أن قريشاً كانت تلح في البعث عن وقت الساعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بها ويتوعدهم بها ويكثر من ذلك، و‏:‏ ‏{‏أيان مرساها‏}‏ معناه‏:‏ متى ثبوتها ووقت رسوها أي ثبوتها كأنه يسر إلى غاية ما ثم يقف كما تفعل السفينة التي ترسو، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي‏:‏ «إيان» بكسر الألف، ثم قال لنبيه عليه السلام على جهة التوقيف ‏{‏فيم أنت من ذكراها‏}‏ أي من ذكر تحديدها ووقتها أي لست من ذلك في شيء ‏{‏إنما أنت منذر‏}‏، وقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة كثيراُ، فلما نزلت هذه الآية انتهى‏.‏ وقرأ أبو جعفر وعمر بن عبد العزيز وأبو عمرو بخلاف، وابن محيصن والأعرج وطلحة وعيسى‏:‏ «منذرٌ» بتنوين الراء، وقرأ جمهور القراء‏:‏ «منذرُ» بإضافة «منذر» إلى ‏{‏من‏}‏، ثم قرب تعالى أمر الساعة بإخباره أن الانسان عن رؤيته إياها لم يلبث إلا عشية يوم أو بكرته، فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر أحدهما فأضاف الآخر إليه تجوزاً وإيجازاً‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏النازعات‏}‏ والحمد لله كثيراً‏.‏

سورة عبس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 17‏]‏

‏{‏عَبَسَ وَتَوَلَّى ‏(‏1‏)‏ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ‏(‏2‏)‏ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ‏(‏3‏)‏ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ‏(‏4‏)‏ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ‏(‏5‏)‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ‏(‏6‏)‏ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ‏(‏8‏)‏ وَهُوَ يَخْشَى ‏(‏9‏)‏ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ‏(‏10‏)‏ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ‏(‏11‏)‏ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ‏(‏12‏)‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ‏(‏13‏)‏ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ‏(‏14‏)‏ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ‏(‏15‏)‏ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ‏(‏16‏)‏ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ‏(‏17‏)‏‏}‏

«العبوس»‏:‏ تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن زيد وعائشة وغيرها من الصحابة‏:‏ لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش، «والتولي»‏:‏ هنا الإعراض، و‏{‏أن‏}‏‏:‏ مفعول من أجله، وقرأ الحسن ‏{‏أن جاءه‏}‏ بمدة تقرير وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على ‏{‏تولى‏}‏ وهي قراءة عيسى‏.‏ وذكر الله تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا‏.‏

ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة تذكر امرأة، فقالت‏:‏ إنها القصيرة، فقال لها‏:‏ لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب تعالى نبيه فقال‏:‏ ‏{‏وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى‏}‏ أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله، ثم ابتدأ القول‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏ أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل ‏{‏يزكى‏}‏‏:‏ يتزكى، فأدغم التاء في الزاي وكذلك ‏{‏يذكر‏}‏، وقرأ الأعرج‏.‏ «يذْكُر» بسكون الذال وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ جمهور السبعة‏:‏ «فتنفعُه» بضم العين على العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج‏:‏ «فتنفعَه» بالنصب في جواب التمني، لأن قوله ‏{‏أو يذكر‏}‏ في حكم قوله‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام بقوله‏:‏ ‏{‏أما من استغنى‏}‏ أي بماله، و‏:‏ ‏{‏تصدى‏}‏ معناه‏:‏ تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع‏:‏ «تصّدى» بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش‏:‏ «تصَدى»، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «تُصَدى»، بضم التاء وتخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول‏:‏ تصدى الرجل وصديته، كما تقول‏:‏ تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقراً لشأن الكفار‏:‏ ‏{‏وما عليك ألا يزكى‏}‏ وما يضرك ألا يفلح، فهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الأكتراث بهم، ثم قال مبالغاً في العتب‏:‏ ‏{‏وأما من جاءك يسعى‏}‏ أي يمشي، وقيل المعنى‏:‏ ‏{‏يسعى‏}‏ في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، ‏{‏وهو يخشى‏}‏ الله تعالى، ‏{‏فأنت عنه تلهى‏}‏ أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء‏:‏ «تَلهى» بفتح التاء على حذف التاء الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه «تلهى» بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف‏:‏ «تتلهى» بتاءين، وروي عنه «تَلْهى» بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «تُلْهى» بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

«وما استأثر الله به فَالْهَ عنه» وقوله تعالى في هاتين‏:‏ ‏{‏وأما من‏}‏ فالسبب ما ذكر من كفار قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف، فحَمَلَهُ الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة، ثم قال‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر ‏{‏تذكرة‏}‏ لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد صلى الله عليه وسلم وتأنيس له، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء ذكره‏}‏ يتضمن وعداً ووعيداً على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه ومآباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 39‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في صحف‏}‏ يتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏إنها تذكرة‏}‏، وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن وقال بعض المتأولين‏:‏ الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل‏:‏ صحف الأنبياء المنزلة، وقيل‏:‏ مصاحف المسلمين، واختلف الناس في «السفرة»، فقال ابن عباس‏:‏ هم الملائكة لأنهم كتبة يقال‏:‏ سفرت أي كتبت، ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة‏:‏ هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه‏:‏ هم الصحابة لأنهم بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعليم، والقول الأول أرجح، ومن اللفظة قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وما أدع السفارة بين قومي *** وما أسعى بغش إن مشيت

و «الصحف» على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي المصاحف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قتل الإنسان ما أكفره‏}‏ دعاء على اسم الجنس وهم عموم يراد به الخصوص، والمعنى‏:‏ قتل الإنسان الكافر، ومعنى ‏{‏قتل‏}‏ أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏قتل‏}‏ بمعنى لعن، وهذا تحكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أكفره‏}‏ يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفاً أي أيّ شيء ‏{‏أكفره‏}‏ أي جعله كافراً، وقيل إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إني كافر برب النجم إذا هوى، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«اللهم ابعث عليه كلبك حتى يأكله» ويروى أنه قال‏:‏ «ما يخاف أن يرسل عليك كلبه»، ثم إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة‏.‏

«العبوس»‏:‏ تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن زيد وعائشة وغيرها من الصحابة‏:‏ لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش، «والتولي»‏:‏ هنا الإعراض، و‏{‏أن‏}‏‏:‏ مفعول من أجله، وقرأ الحسن ‏{‏أن جاءه‏}‏ بمدة تقرير وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على ‏{‏تولى‏}‏ وهي قراءة عيسى‏.‏ وذكر الله تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا‏.‏

ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة تذكر امرأة، فقالت‏:‏ إنها القصيرة، فقال لها‏:‏ لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب تعالى نبيه فقال‏:‏ ‏{‏وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى‏}‏ أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله، ثم ابتدأ القول‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏ أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل ‏{‏يزكى‏}‏‏:‏ يتزكى، فأدغم التاء في الزاي وكذلك ‏{‏يذكر‏}‏، وقرأ الأعرج‏.‏ «يذْكُر» بسكون الذال وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ جمهور السبعة‏:‏ «فتنفعُه» بضم العين على العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج‏:‏ «فتنفعَه» بالنصب في جواب التمني، لأن قوله ‏{‏أو يذكر‏}‏ في حكم قوله‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام بقوله‏:‏ ‏{‏أما من استغنى‏}‏ أي بماله، و‏:‏ ‏{‏تصدى‏}‏ معناه‏:‏ تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع‏:‏ «تصّدى» بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش‏:‏ «تصَدى»، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «تُصَدى»، بضم التاء وتخخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول‏:‏ تصدى الرجل وصديته، كما تقول‏:‏ تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقراً لشأن الكفار‏:‏ ‏{‏وما عليك ألا يزكى‏}‏ وما يضرك ألا يفلح، فيها حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الأكتراث بهم، ثم قال مبالغاً في العتب‏:‏ ‏{‏وأما من جاءك يسعى‏}‏ أي يمشي، وقيل المعنى‏:‏ ‏{‏يسعى‏}‏ في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، ‏{‏وهو يخشى‏}‏ الله تعالى، ‏{‏فأنت عنه تلهى‏}‏ أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء‏:‏ «تَلهى» بفتح التاء على حذف التاء الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه «تلهى» بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف‏:‏ «تتلهى» بتاءين، وروي عنه «تَلْهى» بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «تُلْهى» بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

«وما استأثر الله به فَالْهَ عنه»، وقوله تعالى في هاتين‏:‏ ‏{‏وأما من‏}‏ فالسبب ما ذكر من كفار قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف، فحَمَلَهُ الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه علىلشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة، ثم قال‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر ‏{‏تذكرة‏}‏ لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد صلى الله عليه وسلم وتأنيس له، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء ذكره‏}‏ يتضمن وعداً ووعيداً على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه ومآباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 39‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في صحف‏}‏ يتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏إنها تذكرة‏}‏، وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن وقال بعض المتأولين‏:‏ الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل‏:‏ صحف الأنبياء المنزلة، وقيل‏:‏ مصاحف المسلمين، واختلف الناس في «السفرة»، فقال ابن عباس‏:‏ هم الملائكة لأنهم كتبة يقال‏:‏ سفرت أي كتبت، ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة‏:‏ هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه‏:‏ هم الصحابة لأنهم بعضهم يسفر إلى لعض في الخبر والتعليم، والقول الأول ارجح، ومن اللفظة قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وما أدع السفارة بين قومي *** وما أسعى بغش إن مشيت

و «الصحف» على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي المصاحف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قتل الإنسان ما أكفره‏}‏ دعاء على اسم الجنس وهم عموم يراد به الخصوص، والمعنى‏:‏ قتل الإنسان الكافر، ومعنى ‏{‏قتل‏}‏ أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏قتل‏}‏ بمعنى لعن، وهذا تحكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أكفره‏}‏ يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفاً أي أيّ شيء ‏{‏أكفره‏}‏ أي جعله كافراً، وقيل إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إني كافر برب النجم إذا هوى، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«اللهم ابعث عليه كلبك حتى يأكله» ويروى أنه قال‏:‏ «ما يخاف أن يرسل عليك كلبه»، ثم إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة‏.‏ «العبوس»‏:‏ تقطب الوجه واربداده عند كراهية أمر، وفي مخاطبته بلفظ ذكر الغائب مبالغة في العتب لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال كثير من العلماء وابن زيد وعائشة وغيرها من الصحابة‏:‏ لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي، لكتم هذه الآيات، وآيات قصة زيد وزينب بنت جحش، «والتولي»‏:‏ هنا الإعراض، و‏{‏أن‏}‏‏:‏ مفعول من أجله، وقرأ الحسن ‏{‏أن جاءه‏}‏ بمدة تقرير وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على ‏{‏تولى‏}‏ وهي قراءة عيسى‏.‏ وذكر الله تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز، ومنه قول المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا‏.‏

ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة تذكر امرأة، فقالت‏:‏ إنها القصيرة، فقال لها‏:‏ لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب تعالى نبيه فقال‏:‏ ‏{‏وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى‏}‏ أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله، ثم ابتدأ القول‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏ أي تنمو بركته وتطهره لله وينفعه إيمانه، وأصل ‏{‏يزكى‏}‏‏:‏ يتزكى، فأدغم التاء في الزاي وكذلك ‏{‏يذكر‏}‏، وقرأ الأعرج‏.‏ «يذْكُر» بسكون الذال وضم الكاف، ورويت عن عاصم، وقرأ جمهور السبعة‏:‏ «فتنفعُه» بضم العين على العطف، وقرأ عاصم وحده والأعرج‏:‏ «فتنفعَه» بالنصب في جواب التمني، لأن قوله ‏{‏أو يذكر‏}‏ في حكم قوله‏:‏ ‏{‏لعله يزكى‏}‏، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام بقوله‏:‏ ‏{‏أما من استغنى‏}‏ أي بماله، و‏:‏ ‏{‏تصدى‏}‏ معناه‏:‏ تتعرض بنفسك، وقرأ ابن كثير ونافع‏:‏ «تصّدى» بشد الصاد على إدغام التاء، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش‏:‏ «تصَدى»، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «تُصَدى»، بضم التاء وتخخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا، تقول‏:‏ تصدى الرجل وصديته، كما تقول‏:‏ تكسب وكسبته، ثم قال تعالى محتقراً لشأن الكفار‏:‏ ‏{‏وما عليك ألا يزكى‏}‏ وما يضرك ألا يفلح، فيها حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الأكتراث بهم، ثم قال مبالغاً في العتب‏:‏ ‏{‏وأما من جاءك يسعى‏}‏ أي يمشي، وقيل المعنى‏:‏ ‏{‏يسعى‏}‏ في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك، ‏{‏وهو يخشى‏}‏ الله تعالى، ‏{‏فأنت عنه تلهى‏}‏ أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو، وإما أن المعنى يتداخل، وقرأ الجمهور من القراء‏:‏ «تَلهى» بفتح التاء على حذف التاء الواحدة، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه «تلهى» بالإدغام، وقرأ طلحة بن مصرف‏:‏ «تتلهى» بتاءين، وروي عنه «تَلْهى» بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «تُلْهى» بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

«وما استأثر الله به فَالْهَ عنه»، وقوله تعالى في هاتين‏:‏ ‏{‏وأما من‏}‏ فالسبب ما ذكر من كفار قريش وعبد الله بن أم مكتوم، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف، فحَمَلَهُ الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه علىلشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة، ثم قال‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر ‏{‏تذكرة‏}‏ لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد صلى الله عليه وسلم وتأنيس له، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء ذكره‏}‏ يتضمن وعداً ووعيداً على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه ومآباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 39‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في صحف‏}‏ يتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏إنها تذكرة‏}‏، وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن وقال بعض المتأولين‏:‏ الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل‏:‏ صحف الأنبياء المنزلة، وقيل‏:‏ مصاحف المسلمين، واختلف الناس في «السفرة»، فقال ابن عباس‏:‏ هم الملائكة لأنهم كتبة يقال‏:‏ سفرت أي كتبت، ومنه السفر، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين الله تعالى وبين أنبيائه، وقال قتادة‏:‏ هم القراء وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه‏:‏ هم الصحابة لأنهم بعضهم يسفر إلى لعض في الخبر والتعليم، والقول الأول ارجح، ومن اللفظة قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وما أدع السفارة بين قومي *** وما أسعى بغش إن مشيت

و «الصحف» على هذا صحف عند الملائكة أو اللوح، وعلى القول الآخر هي المصاحف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قتل الإنسان ما أكفره‏}‏ دعاء على اسم الجنس وهم عموم يراد به الخصوص، والمعنى‏:‏ قتل الإنسان الكافر، ومعنى ‏{‏قتل‏}‏ أي هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏قتل‏}‏ بمعنى لعن، وهذا تحكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أكفره‏}‏ يحتمل معنى التعجب، ويحتمل معنى الاستفهام توقيفاً أي أيّ شيء ‏{‏أكفره‏}‏ أي جعله كافراً، وقيل إن هذه الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إني كافر برب النجم إذا هوى، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «اللهم ابعث عليه كلبك حتى يأكله» ويروى أنه قال‏:‏ «ما يخاف أن يرسل عليك كلبه»، ثم إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله بين الرفقة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 32‏]‏

‏{‏مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ‏(‏18‏)‏ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ‏(‏19‏)‏ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ‏(‏20‏)‏ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ‏(‏21‏)‏ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ‏(‏22‏)‏ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ‏(‏23‏)‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ‏(‏24‏)‏ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ‏(‏26‏)‏ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ‏(‏27‏)‏ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ‏(‏28‏)‏ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ‏(‏29‏)‏ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ‏(‏30‏)‏ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ‏(‏31‏)‏ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ‏(‏32‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من أي شيء خلقه‏}‏ استفهام على معنى التقرير على تفاهة الشيء الذي خلق الإنسان منه، وهي عبارة تصلح للتحقير والتعظيم والقرينة تبين الغرض، وهذا نظير قوله‏:‏ ‏{‏لأي يوم أجلت ليوم الفصل‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 13‏]‏ واللفظ المشار إليه ماء الرجل وماء المرأة، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «فقدّره» بشد الدال، وقرأ بعض القراء‏:‏ «فقدّره» بتخفيفها، والمعنى جعله بقدر واحد معلوم من الأعضاء والخلق والأجل وغير ذلك من أنحائه حسب إرادته تعالى في إنسان إنسان، واختلف المتأولون في معنى قوله‏:‏ ‏{‏ثم السبيل يسره‏}‏ فقال ابن عباس وقتادة وأبو صالح والسدي‏:‏ هي سبيل الخروج من بطن المرأة ورحمها، وقال الحسن ما معناه‏:‏ إن ‏{‏السبيل‏}‏ هي سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان، وتيسره له هو هبة العقل، وقال مجاهد‏:‏ أراد ‏{‏السبيل‏}‏ عامة اسم الجنس في هدى وضلال أي يسر قوماً لهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 3‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ ‏[‏البلد‏:‏ 10‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأقبره‏}‏ معناه أمر أن يجعل له قبر، وفي ذلك تكريم لئلا يطرح كسائر الحيوان، والقابر هو الذي يتناول جعل الميت في قبره، والمقبر الذي يأمر بقبر الميت، ويقرره، و‏{‏أنشره‏}‏ معناه‏:‏ أحياه، يقال‏:‏ نشر الميت وأنشره الله، وقوله‏:‏ ‏{‏إذا شاء‏}‏ يريد إذا بلغ الوقت الذي شاءه وهو يوم القيامة، وقرأ بعض القراء‏:‏ ‏{‏شاء أنشره‏}‏ بتحقيق الهمزتين، وقرأ جمهور الناس‏:‏ ‏{‏شاء أنشره‏}‏ بمدة وتسهيل الهمزة الأولى، وقرأ شعيب بن أبي حمزة‏:‏ «شاء نشره»، وقرأ الأعمش‏:‏ «شاء انشره» بهمزة واحدة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا لما يقض ما أمره‏}‏ رد لما عسى أن للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ونفي مؤكد لطاعة الإنسان لربه وإثبات أنه ترك حق الله تعالى، ولم يقض ما أمره، قال مجاهد‏:‏ لا يقضي أحد أبداً ما افترض عليه، ثم أمر تعالى الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه والدليل فيه، وذهب أبيّ بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيره إلى أن المراد ‏{‏إلى طعامه‏}‏ إذا صار رجيعاً ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء يتفانى أهلها وتستدير رحاها، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر‏:‏ أن الأنسان إذا أحدث فإن ملكاً يأخذ بناصيته عند فراغه فيرد بصره إلى نحوه موقفاً له ومعجباً فينفع ذلك من له عقل، وذهب الجمهور إلى أن معنى الآية‏:‏ فلينظر إلى مطعوماته وكيف يسرها الله تعالى له بهذه الوسائط المذكورة من صب الماء وشق الأرض، ويروى أن رجلاً أضافه عابد فقدم إليه رغيفاً قفازاً فكأن الرجل استخشنه فقال له‏:‏ كله فإن الله تعالى لم ينعم به وكمله حتى سخر فيه ثلاثمائة وستين عاملاً الماء والريح والشمس ثلاثة من ذلك، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي‏:‏ «أنّا صببنا» بفتح الألف على البدل وهي قراءة الأعرج وابن وثاب والأعمش، ورد على هذا الإعراب قوم بأن الثاني ليس الأول وليس كما ردوا لأن المعنى‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان‏}‏ إلى إنعامنا في طعامه فترتب البدل وصح، «وأنا» في موضع خفض، وقرأ الجمهور‏:‏ «إنا» بكسر الألف على استئناف تفسير الطعام، وقرأ بعض القراء‏:‏ «أنى» بمعنى كيف ذكرها أبو حاتم، و«صب الماء»‏:‏ هو المطر، و«شق الأرض»‏:‏ هو بالنبات، و«الحب»‏:‏ جمع حَبة بفتح الحاء وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح والشعير ونحوه، والحِبة بكسر الحاء كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به ولا هو بمتخذ، و«القضب» قال بعض اللغويين‏:‏ هي الفصافص، وهذا عندي ضعيف، لأن الفصافص هي للبهائم فهي دخل في الأبّ، وقال أبو عبيدة‏:‏ «القضب» الرطبة، قال ثعلب‏:‏ لأنه يقضب كل يوم‏.‏

والذي أقوله إن «القضب» هنا هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم، وغضاً من النبات كالبقول والهِلْيُون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم ولا ذكر له في الآية إلا في هذه اللفظة، والغُلب الغلاط الناعمة، و«الحديقة» الشجر الذي قد أحدق بجدار أو نحوه، و«الأبّ»‏:‏ المرعى قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة، وقال الضحاك‏:‏ «الأبّ»‏:‏ التبن، وفي اللفظة غرابة وقد توقف في تفسيرها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، و‏{‏متاعاً‏}‏ نصب على المصدر، والمعنى تتمتعون به أنتم وأنعامكم، فابن آدم في السبعة المذكورة، والأنعام في الأبّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 42‏]‏

‏{‏فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ‏(‏33‏)‏ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ‏(‏34‏)‏ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ‏(‏35‏)‏ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ‏(‏36‏)‏ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ‏(‏37‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ‏(‏38‏)‏ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ‏(‏39‏)‏ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ‏(‏40‏)‏ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ‏(‏41‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏الصاخة‏}‏‏:‏ اسم من أسماء القيامة، واللفظة في حقيقتها إنما هي لنفخة الصور التي تصخ الآذان أي تصمها، ويستعمل هذا اللفظ في الداهية التي يصم نبؤها الآذان لصعوبته، وهذه استعارة وكذلك في الصيحة المفرطة التي يصعب وقعها على الأذن، ثم ذكر تعالى فرار المرء من القوم الذين معهودهم أن لا يفر عنهم في الشدائد، ثم رتبهم تعالى الأول فالأول محبة وحنواً، وقرأ أبو أناس جوية «من أخيهُ وأمهُ وأبيهُ» بضم الهاء في كلها، وقال منذر بن سعيد وغيره‏:‏ هذا الفرار هو خوف من أن يتبع بعضهم بعضاً بتبعات إذ الملابسة تعلق المطالبة، وقال جمهور الناس‏:‏ إنما ذلك لشدة الهول على نحو ما روي أن الرسل تقول يومئذ نفس نفسي لا أسألك غيري، و«الشأن الذي يغنيه»‏:‏ هو فكرة في سيئاته وخوفه على نفسه من التخليد في النار، والمعنى ‏{‏يغنيه‏}‏ عن اللقاء مع غيره والفكرة في أمره، قال قتادة‏:‏ أفضى كل إنسان إلى ما يشغله عن غيره‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة‏:‏ «لا يضرك في القيامة كان عليك ثياب أم لا»، وقرأ هذه الآية وقال نحوه‏:‏ لسودة، وقد قالتا‏:‏ واسوأتاه ينظر بعض الناس إلى بعض يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «يُغنيه» بالغين منقوطة وضم الياء على ما فسرناه، وقرأ ابن محيصن والزهري وابن السميفع‏:‏ «يَعَنيه» بفتح الياء والعين غير منقوطة من قولك عناني الأمر أي قصدني وأردني‏.‏ ثم ذكر تعالى اختلاف الوجوه من المؤمنين الواثقين برحمة الله حين بدت لهم تباشيرها من الكفار، و‏{‏مسفرة‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ نيرة باد ضوؤها وسرورها، و‏{‏ترهقها‏}‏ معناه تلح عليها، و«القترة» الغبار و«الغبرة» الأولى إنما هي العبوس والهم كما يرى على وجه المهموم والميت والمريض شبه الغبار، وأما «القترة» فغبار الأرض ويقال إن ذلك يغشاهم من التراب الذي تعوده البهائم، ثم فسر تعالى أصحاب هذه الوجوه المغبرة بأنهم الكفرة قريش يومئذ ومن جرى مجراهم قديماً وحديثاً‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏عبس‏}‏ والحمد لله كثيراً‏.‏

سورة التكوير

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ‏(‏4‏)‏ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ‏(‏5‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ‏(‏6‏)‏ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ‏(‏7‏)‏ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ‏(‏8‏)‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ‏(‏9‏)‏ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ‏(‏11‏)‏ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ‏(‏13‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ‏(‏14‏)‏‏}‏

هذه كلها أوصاف يوم القيامة، و«تكوير الشمس»‏:‏ هو أن تدار ويذهب بها إلى حيث شاء الله كما يدار كور العمامة، وعبر المفسرون عن ذلك بعبارات، فمنهم من قال‏:‏ ذهب نورها قاله قتادة، ومنهم من قال‏:‏ رمي بها، قاله الربيع بن خيثم وغير ذلك مما هو أشياء توابع لتكويرها، و«انكدار النجوم»‏:‏ هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها، ومنه قول الراجز ‏[‏العجاج‏]‏‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

أبصر خربان فلاة فانكدرْ *** تقضّي البازي إذا البازي كسرْ

وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏انكدرت‏}‏‏:‏ تغيرت، من قولهم‏:‏ ماء كدر، أي متغير اللون، وتسيير الجبال هو قبل نسفها، وإنما ذلك في صدر هول القيامة، و‏:‏ ‏{‏العشار‏}‏ جمع عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وتهممهم بها عظيم للرغبة في نسلها، فإنها تعطل عند أشد الأهوال، وقرأ مضر عن اليزيدي‏:‏ «عطِلت» بتخفيف الطاء، و«حشر الوحوش»‏:‏ جمعها، واختلف الناس في هذا الجمع ما هو‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏حشرت‏}‏ بالموت لا تبعث في القيامة ولا يحضر في القيامة غير الثقلين، وقال قتادة وجماعة‏:‏ ‏{‏حشرت‏}‏ للجمع يوم القيامة، ويقتص للجماء من القرناء فجعلوا ألفاظ هذا الحديث حقيقة لا مجازاً مثالاً في العدل‏.‏ وقال أبيّ بن كعب‏:‏ ‏{‏حشرت‏}‏ في الدنيا في أول هول يوم القيامة فإنها تفر في الأرض وتجتمع إلى بني آدم تأنيساً بهم، وقرأ الحسن‏:‏ «حشّرت» بشد الشين على المبالغة، و«تسجير البحار»، قال قتادة والضحاك معناه‏:‏ فرغت من مائهاه وذهب حيث شاء الله وقال الحسن‏:‏ يبست، وقال الربيع بن خيثم معناه‏:‏ ملئت، وفاضت وفجرت من أعاليها، وقال أبي بن كعب وابن عباس وسفيان ووهب وابن زيد‏:‏ معناه‏:‏ أضرمت ناراً كما يسجر التنور، وقال ابن عباس‏:‏ جهنم في البحر الأخضر، ويحتمل أن يكون المعنى ملكت، وقيد اضطرابها حتى لا تخرج على الأرض بسبب الهول فتكون اللفظة مأخوذة من ساجور الكلب، وقيل‏:‏ هذه مجاز في جهنم، تسجر يوم القيامة وقد تقدم تظير هذه الأقوال منصوصة لأهل العلم في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والبحر المسجور‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 6‏]‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سجِرت» بتخفيف الجيم، وقرأ الباقون‏:‏ بشدها، وهي مترجحة بكون البحار جميعاً كما قال‏:‏ ‏{‏كتاباً يلقاه منشوراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 13‏]‏، وكما قال‏:‏ ‏{‏صحفاً منشرة‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 52‏]‏، ومثله ‏{‏قصر مشيد‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 45‏]‏ و‏{‏بروج مشيدة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 78‏]‏، لأنها جماعة، وذهب قوم من الملحدين إلى أن هذه الأشياء المذكورة استعارات في كل ابن آدم وأحواله عند موته، والشمس نفسه والنجوم عيناه وحواسه، والعشار ساقاه، وهذا قول سوء وخيم غث ذاهب إلى إثبات الرموز في كتاب الله تعالى، و«تزويج النفوس»‏:‏ هو تنويعها، لأن الأزواج هي الأنواع والمعنى‏:‏ جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن وكل شكل مع شكله، رواه النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن الخطاب وابن عباس، وقال‏:‏ هذا نظير قوله تعالى‏:‏

‏{‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 7‏]‏ وفي الآية على هذا حض على خليل الخبر، فقد قال عليه السلام‏:‏ «المرء مع من أحب»، وقال‏:‏ «فلينظر أحدكم من يخالل»، وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 67‏]‏، وقال مقاتل بن سليمان‏:‏ زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور وغيرهن، وقال عكرمة والضحاك والشعبي‏:‏ زوجت الأرواح الأجساد، وقرأ عاصم‏:‏ «زوجت» غير مدغم، و‏{‏الموءودة‏}‏‏:‏ اسم معناه المثقل عليها، ومنه‏:‏ ‏{‏ولا يؤوده‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏ ومنه أتأد، أي توقد، وأثقل وعرف هذا الاسم في النبات اللواتي كان قوم من العرب يدفنونهن أحياء يحفر الرجل شبه البر أو القبر ثم يسوق ابنته فيلقيها فيها، وإذا كانت صغيرة جداً خدّ لها في الأرض ودفنها، وبعضهم‏:‏ كان يفعل ذلك خشية الإملاق وعدم المال، وبعضهم‏:‏ غيرة وكراهية للبنات وجهالة وقرأ الجمهور‏:‏ «الموءودة» بالهمز من وأد في حرف ابن مسعود‏:‏ «وإذا الماودة»، وقرأ البزي‏:‏ «الموودة» بضم الواو الأولى وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعمش‏:‏ «الموْدة» بسكون الواو على وزن‏:‏ الفعلة وقرأ بعض السلف‏:‏ «الموَدّة» بفتح الواو والدال المشددة، جعل البنت مودة، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «سئلت»، وهذا على وجه التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك، لأنها تسأل ليصير الأمر إلى سؤال الفاعل، ويحتمل أن تكون مسؤولة عنها مطلوباً الجواب منهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن العهد كان مسؤولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 34‏]‏، وكما يسأل التراث والحقوق‏.‏

وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وجابر بن زيد وأبو الضحى ومجاهد وجماعة كثيرة منهم ابن مسعود والربيع ين خيثم‏:‏ «سألت»، ثم اختلف هؤلاء فقرأ أكثرهم‏:‏ «قَتلْتَ» بفتح التاء وسكون اللام، وقرأ أبو جعفر‏:‏ «قتّلت» بشد التاء على المبالغة، وقرأ ابن عباس وجابر وأبو الضحى ومجاهد‏:‏ «قتلْتُ» بسكون اللام وضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن‏:‏ «سيلت» بكسر السين وفتح اللام دون همز، واستدل ابن عباس بهذه الآية في أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله تعالى قد انتصر لهم من ظلمهم، و«الصحف المنشورة»‏:‏ قيل هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل امرئ كتابه، وقيل هي الصحف التي تتطاير بالإيمان، والشمائل بالجزاء، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة‏:‏ «نشِرت» بتخفيف الشين المسكورة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي‏:‏ «نشّرت» بشد الشين على المبالغة، و«الكشط»‏:‏ التقشير، وذلك كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ، و«كشط السماء»‏:‏ هو طيها كطي السجل، وفي مصحف عبد الله بن مسعود‏:‏ «قشطت» بالقاف وهما بمعنى واحد، و‏{‏سعرت‏}‏ معناه‏:‏ أضرمت نارها، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم‏:‏ «سعّرت» بشد العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم‏:‏ بتخفيفها وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال قتادة‏:‏ سعرها غضب الله تعالى وذنوب بني آدم و‏{‏أزلفت‏}‏ الجنة معناه‏:‏ قربت الغرض المقصود بقوله ‏{‏وإذا‏}‏ ‏{‏وإذا‏}‏ في جميع ما ذكر إما تم بقوله‏:‏ ‏{‏علمت نفس ما أحضرت‏}‏، أي ما أحضرت من شر فدخلت به جهنم أو من خير فدخلت به الجنة، و‏{‏نفس‏}‏ هنا اسم جنس، أي عملت النفوس ووقع الإفراد لتنبيه الذهن على حقارة المرء الواحد وقلة دفاعه عن نفسه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 29‏]‏

‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ‏(‏15‏)‏ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ‏(‏17‏)‏ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‏(‏19‏)‏ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ‏(‏20‏)‏ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ‏(‏21‏)‏ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ‏(‏22‏)‏ وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ‏(‏23‏)‏ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ‏(‏24‏)‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ‏(‏25‏)‏ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ‏(‏26‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏27‏)‏ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ‏(‏28‏)‏ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا‏}‏ إما أم تكون «لا» زائدة، وإما أن يكون رد القول قرش في تكذيبهم بنبوة محمد عليه السلام، وقولهم إنه ساحر وكاهن ونحو ذلك، ثم أقسم الله تعالى ‏{‏بالخنس الجوار الكنس‏}‏ فقال جمهور المفسرين‏:‏ إن ذلك الدراري السبعة‏:‏ الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري، وقال علي بن أبي طالب‏:‏ المراد الخمسة دون الشمس والقمر‏.‏ وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها أي تتقهقر فيما ترى العين، وهو جوار في السماء، وأثبت يعقوب الياء في «الجواري» في الوقف وحذفها الباقون وهي تكنس في أبراجها أي تستتر، وقال علي بن أبي طالب أيضاً والحسن وقتادة‏:‏ المراد النجوم كلها لأنها تخنس بالنهار حين تختفي، وقال عبد الله بن مسعود والنخعي وجابر بن زيد وجماعة من المفسرين‏:‏ المراد ‏{‏بالخنس الجوار الكنس‏}‏‏:‏ بقر الوحش لأنها تفعل هذه الأفعال في كناسها وهي المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه، وقال ابن عباس وابن جبير والضحاك‏:‏ هي الظباء، وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه من صفة الأنوف لأنها يلزمها الخنس، وكذلك هي بقر الوحش أيضاً ومن ذلك قول الشاعر ‏[‏الطويل‏]‏

سوى نار بض أو غزال صريمة *** أغن من الخنس المناخر توأم

«وعسعس الليل» في اللغة‏:‏ إذا كان غير مستحكم الإظلام، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ ذلك وقت إقباله وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم وابن عباس ومجاهد وقتادة‏:‏ ذلك عند إدباره وبه وقع القسم، ويرجع هذا قوله بعد‏:‏ ‏{‏والصبح إذا تنفس‏}‏، فكأنهما حالان متصلتان ويشهد له قول علقمة بن قرط‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

حتى إذا الصبح لها تنفّسا *** وانجاب عنها ليلها وعسعسا

وقال المبرد أبو العباس‏:‏ أقسم بإقباله وإدباره، قال الخليل‏:‏ يقال عسعس الليل وسعسع إذا أقبل وأدبر، و«تنفس الصبح»‏:‏ استطار واتسع ضوؤه، وقال علوان بن قس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وليل دجوجي تنفس فجره *** لهم بعد أن خالوه لن يتنفسا

والضمير في ‏{‏إنه‏}‏ للقرآن، و«الرسول الكريم» في قول جمهور المتأولين‏:‏ جبريل عليه السلام، وقال آخرون‏:‏ هو محمد عليه السلام في الآية، والقول الأول أصح، و‏{‏كريم‏}‏ في هذه الآية يقتضي رفع المذام، ثم وصفع بقوة منحه الله إياها، وختلف الناس في تعليق‏:‏ ‏{‏عند ذي العرش‏}‏، فذهب بعض المتأولين إلى تعلقه بقوله‏:‏ ‏{‏ذي قوة‏}‏، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله‏:‏ ‏{‏ذي قوة‏}‏ وتعلق الظرف‏:‏ ب ‏{‏مكين‏}‏، و‏{‏مكين‏}‏ معناه‏:‏ له مكانة ورفعة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مطاع ثم أمين‏}‏ أي مقبول القول مصدق بقوله مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي وامتثال أمر، وقرأ أبو جعفر‏:‏ «ثُم أمين» بضم الثاء، وذكر الله تعالى نفسه بالإضافة إلى عرشه تنبيهاً على عظم ملكوته، وأجمع المفسرون على أن قوله‏:‏ ‏{‏وما صاحبكم‏}‏ يراد به محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في ‏{‏رآه‏}‏‏:‏ جبريل عليه السلام، وهذه الرؤية التي كانت بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين المساء والأرض، وقيل هذه الرؤيا التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء، وسمى ذلك الموضع أفقاً مجازاً، وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه، ووصف الأفق ب ‏{‏المبين‏}‏، لأنه كان بالشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة وأيضاً فكل أفق فهو في غاية البيان، وقوله تعالى ‏{‏وما هو على الغيب بضنين‏}‏ بالضاد بمعنى‏:‏ بخيل أي يشح به، ولا يبلغ ما قيل له، ويبخل كما يفعل الكاهن حتى يعطى حلوانه، وبالضاد هي خطوط المصاحف كلها، فيما قاله الطبري وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة وعثمان بن عفان وابن عباس والحسن وأبي رجاء والأعرج وأبي جعفر وشيبة وجماعة وافرة‏.‏

وقرأ ابن كثير وعمرو والكسائي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وعائشة وعمر بن عبد العزيز وابن جبير وعروة بن الزبير ومسلم وابن جندب ومجاهد وغيرهم‏:‏ «بظنين»، بالظاء أي بمتهم، وهذا في المعنى نظير وصفه ب ‏{‏آمين‏}‏، وقيل معناه‏:‏ بضعف القوة عن التبليغ من قولهم‏:‏ بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء، ورجح أبو عبيد قراءة‏:‏ الظاء مشالة لأن قريشاً لم تبخل محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يأتي به وإما كذبته، فقيل ما هو بمتهم، ثم نفى تعالى عن القرآن أن يكون كلام شيطان على ما قالت قريش‏:‏ إن محمداً كاهن، و‏{‏رجيم‏}‏ معناه‏:‏ مرجوم مبعد بالكواكب واللعنة وغير ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأين تذهبون‏}‏ توقيف وتقرير على معنى‏:‏ أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق، و«الذكر» هنا‏:‏ مصدر بمعنى التذكرة، ثم خصص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر تشريفاً وتنبيهاً وذكراً لتكسبهم أفعال الاستقامة، ثم بين تعالى أن تكسب المرء على العموم في استقامة وغيرها إنما يكون مع خلق الله تعالى واختراعه الإيمان في صدر المرء، وروي أنه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لمن شاء منكم أن يستقيم‏}‏ فقال أبو جهل‏:‏ هذا أمر قد وكل إلينا، فإن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فنزلت ‏{‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله‏}‏ يقول الله تعالى‏:‏ يا ابن آدم تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد‏.‏

سورة الانفطار

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 12‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ‏(‏1‏)‏ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ‏(‏3‏)‏ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ‏(‏4‏)‏ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ‏(‏6‏)‏ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ‏(‏7‏)‏ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ‏(‏8‏)‏ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ‏(‏9‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ‏(‏10‏)‏ كِرَامًا كَاتِبِينَ ‏(‏11‏)‏ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

هذه أوصاف يوم القيامة، و«انفطار السماء»‏:‏ تشققها على غير نظام مقصود إنما هو انشقاق لتزول بنيتها وانتثار الكواكب سقوطها من مواضعها التي هي فيها كنظام، و«تفجير البحار»‏:‏ يحتمل أن يكون من امتلائها فتفجر من أعاليها وتفيض على ما وليها، ويحتمل أن يكون تفجير تفريع، ويحتمل أن يكون فيضانها، فيذهب الله ماءها حيث شاء، وقيل‏:‏ فجر بعضها إلى بعض فاختلط العذب بالملح وصارت واحداً، وهذا نحو الاختلاف في ‏{‏سجرت‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 6‏]‏ في السورة التي قبل، وقرأ مجاهد والربيع بن خيثم‏:‏ «فجِرت» بتخفيف الجيم، و«بعثرة القبور»‏:‏ نبشها عن الموتى الذين فيها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏علمت نفس‏}‏ هو جواب ‏{‏إذا‏}‏، و‏{‏نفس‏}‏ هنا اسم الجنس وإفرادها لتبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها إلا من رحم الله تعالى، وقال كثير من المفسرين في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما قدمت وأخرت‏}‏ إنها عبارة عن جميع الأعمال لأن هذا التقسيم يعم الطاعات المعمولة والمتروكة وكذلك المعاصي‏.‏ وقال ابن عباس والقرظي محمد بن كعب‏:‏ ‏{‏ما قدمت‏}‏ في حياتها وما ‏{‏أخرت‏}‏ مما سنته فعمل به بعد موتها، ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه الكريم فيعصيه ويجعل له نداً وغير ذلك من أنواع الكفر وهو الخالق الموجد بعد العدم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ‏:‏ «جهله» وقاله عمر وقرأ ‏{‏انه كان ظلوماً جهولاً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 72‏]‏، وقال قتادة‏:‏ عدوه المسلط عليه، وقال بعض العلماء‏:‏ غره ستر الله عليه، وقال غيره‏:‏ غره كرم الله، ولفظة الكريم تلقن هذا الجواب، فهذا من لطف الله تعالى لعباده العصاة من المؤمنين، وقرأ ابن جبير والأعمش‏:‏ «ما أغرك» على وزن أفعلك، والمعنى ما عاك إلى الاغترار أن يكون المعنى تعجباً محضاً، وقرأ الجمهور‏:‏ «فعدّلك» بتشديد الدال، وكان صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا نظر إلى الهلال، وقال‏:‏ «آمنت بالذي خلقك فسواك فعدلك» لم يختلف الرواة في شد الدال، وقرأ الكوفيون والحسن وأبو جعفر وطلحة والأعمش وأبو رجاء وعيسى بن عبيد‏:‏ «فعدَلك» بتخفيف الدال، والمعنى عدل أعضاءك بعضها ببعض أي وازن بينهما، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في أي صورة ما شاء ركبك‏}‏، ذهب الجمهور إلى أن ‏{‏في‏}‏ متعلقة ب ‏{‏ركبك‏}‏، أي في قبيحة أو حسنة أو مشوهة أو سليمة ونحو هذا، وذهب بعض المتأولين أن المعنى ‏{‏فعدلك‏}‏ ‏{‏في أي صورة‏}‏‏:‏ بمعنى إلى أي صورة حتى قال بعضهم‏:‏ لم يجعلك في صورة خنزير ولا حمار، وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى‏:‏ الوعيد والتهديد، أي الذي إن شاء ركبك في صورة حمار أو خنزير أو غيره، و‏{‏ما‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ما شاء‏}‏، زائدة فيها معنى التأكيد، والتركيب والتأليف وجمع الشيء إلى شيء، وروى خارجة عن نافع‏:‏ «ركبك كلا» بإدغام الكاف في الكاف، ثم رد على سائر أقوالهم ورد عنها بقوله‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏، ثم أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام ومعناه الخصوص في الكفار، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «تكذبون» بالتاء من فوق، وقرأ الحسن وأبو جعفر‏:‏ «يكذبون» بالياء، و‏{‏الدين‏}‏ هنا يحتمل أن يريد الشرع، ويحتمل أن يريد الجزاء والحساب‏.‏

و «الحافظون»‏:‏ هم الملائكة الذين يكتبون أعمال ابن آدم، وقد وصفهم بالكرم الذي هو نفي المذام‏.‏ و‏{‏يعلمون‏}‏ ما يفعل ابن آدم لمشاهدتهم حاله، وقد روي حديث ذكره سفيان‏:‏ يقتضي أن العبد إذا عمل سيئة مما لا ترى ولا تسمع، مثل الخواطر المستصحبة ونحوها أن الملك يجد ريح تلك الخطرة الخفية بإدراك قد خلقه الله لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 19‏]‏

‏{‏إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ‏(‏14‏)‏ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏15‏)‏ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏18‏)‏ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏الأبرار‏}‏‏:‏ جمع بر وهو الذي قد اطرد بره عموماً فيرونه في طاعته إياه، وبر أبويه وبر الناس في دفع ضره عنهم وجلب ما استطاع الخير إليهم، وبر الحيوان وغير ذلك في أن لم يفسد شيئاً منها عبثاً ولغير منفعة مباحة، و‏{‏الفجار‏}‏‏:‏ الكفار، و«يصلون» معناه‏:‏ يباشرون حرّها بأبدانهم، و‏{‏يوم الدين‏}‏ هو يوم الجزاء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما هم عنها بغائبين‏}‏ قال بعض المتأولين‏:‏ هذا تأكد في الإخبار عن أنهم يصلونها، وأنهم لا يمكنهم الغيب عنها يومئذ، وقال آخرون‏:‏ ‏{‏وما هم عنها بغائبين‏}‏ في البرزخ، كأنه تعالى لما أخبر عن صليهم إياها يوم الدين وذلك أنهم يرون مقاعدهم من النار عدوة وعشية فهم مشاهدون لها، ثم عظم تعالى قدر هول يوم القيامة بقوله‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك‏}‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى وابن جندب‏:‏ «يومُ لا تملك» برفع الميم من «يومُ» على معنى هو يوم، وقرأ الباقون والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج‏:‏ «يومَ» بالنصب على الظرف، والمعنى‏:‏ الجزاء يوم فهو ظرف في معنى خبر الابتداء، ثم أخبر تعالى بضعف الناس يومئذ وأنه لا يغني بعضهم عن بعض وأن الأمر له تبارك وتعالى، وقال قتادة كذلك‏:‏ هو اليوم ولكنه هنالك لا ينازعه أحد ولا يمكن هو أحداً في شيء منه كما يمكنه في الدنيا‏.‏

سورة المطففين

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ‏(‏3‏)‏ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ‏(‏4‏)‏ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏5‏)‏ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏ويل‏}‏ معناه‏:‏ الثبور والحزن والشقاء الأدوم، وقد روي عن ابن مسعود وغيره أن وادياً في جهنم يسمى «ويلاً» ورفع ‏{‏ويل‏}‏ على الابتداء، ورفع على معنى ثبت لهم واستقر وما كان في حيز الدعاء والترقب فهو منصوب نحو قولهم‏:‏ رعياً وسقياً، و«المطفف»‏:‏ الذي ينقص الناس حقوقهم، والتطفيف‏:‏ النقصان أصله في الشيء الطفيف وهو النزر، والمطفف إنما يأخذ بالميزان شيئاً طفيفاً، وقال سلمان‏:‏ الصلاة مكيال، فمن أوفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين، وقال بعض العلماء‏:‏ يدخل التطفيف في كل قول وعمل، ومنه قول عمر طففت، ومعناه‏:‏ نقصت الأجر والعمل وكذا قال مالك رحمه الله‏:‏ يقال لكل شيء وفاء وتطفيف فقد جاء بالنقيضين، وقد ذهب بعض الناس إلى أن التطفيف هو تجاوز الحد في وفاء ونقصان، والمعنى والقرائن بحسب قول قول تبين المراد وهذا عند جد صحيح، وقد بين تعالى أن التطفيف إنما أراد به أمر الوزن والكيل، و‏{‏اكتالوا على الناس‏}‏ معناه‏:‏ قبضوا منهم و‏{‏كالوهم‏}‏ معناه‏:‏ قبضوهم، يقال‏:‏ كلت منك واكتلت عليك، ويقال‏:‏ وكلت لك فلما حذفت اللام تعدى الفعل، قال الفراء والأخفش‏.‏

وأنشد أبو زيد‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

ولقد جنتك أكمؤاً وعساقلاً *** ولقد نهيتك عن بنات الأوبر

وعلى هذا المعنى هي قراءة الجمهور، وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين ويقف على «كالوا» و«وزنوا» بمعنى‏:‏ هم يخسرون إذا كالوا ووزنوا‏.‏ ورويت عن حمزة، فقوله‏:‏ «هم» تأكيد للضمير، وظاهر هذه الآية يقتضي أن الكيل والوزن على البائع وليس ذلك بالجلي، وصدر الآية هو في المشترين، فذمهم بأنهم ‏{‏يستوفون‏}‏ ويشاحون في ذلك، إذ لا تمكنهم الزيادة على الاستيفاء لأن البائع يحفظ نفسه، فهذا مبلغ قدرتهم في ترك الفضيلة والسماحة المندوب إليها، ثم ذكر أنه إذا باعوا أمكنهم من الظلم والتطفيف أن يخسروا لأنهم يتولون الكيل للمشتري منهم وذلك بحالة من يخسر البائع إن قدر، و‏{‏يخسرون‏}‏ معدى بالهمزة يقال‏:‏ خسر الرجل وأخسره غيره، والمفعول ل ‏{‏كالوهم‏}‏ محذوف، ثم وقفهم تعالى على أمر القيامة وذكرهم بها وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم من المؤمنين وأريد بها مع ذلك من غبر من الأمة، و‏{‏يظن‏}‏ هنا بمعنى‏:‏ يعلم ويتحقق، و«اليوم العظيم»‏:‏ يوم القيامة، و‏{‏يوم‏}‏ ظرف عمل فيه فعل مقدر يبعثون ونحوه، وقال الفراء‏:‏ هو بدل من ‏{‏ليوم عظيم‏}‏، لكنه بني ويأبى ذلك البصريون، لأنه مضاف إلى معرب، وقام الناس فيه ‏{‏لرب العالمين‏}‏ يختلف الناس فيه بحسب منازلهم، فروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

«يقام فيه خمسين ألف سنة»‏.‏ وهذا بتقدير شدته، وقيل‏:‏ ثلاثمائة سنة، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عمر‏:‏ مائة سنة وقيل ثمانون سنة، وقال ابن مسعود أربعون سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يؤمرون ولا يكلمون، وقيل غير هذا، ومن هذا كله آثار مروية ومعناها‏:‏ إن لكل قوم مدة ما تقتضي حالهم وشدة أمرهم ذلك، وروي أن القيام فيه على المؤمن على قدر ما بين الظهر إلى العصر، وروي عن بعض الناس‏:‏ على قدر صلاة، وفي هذا القيام هو إلجام العرق للناس، وهو أيضاً مختلف، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر‏:‏ «أنه يلجم الكافر إلجاماً» ويروى أن بعض الناس يكون فيه إلى أنصاف ساقيه وبعضهم إلى فوق، وبعضهم إلى أسفل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 17‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ‏(‏7‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ‏(‏8‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏9‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ‏(‏11‏)‏ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ‏(‏12‏)‏ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏13‏)‏ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

هذه الآية وما بعدها بظهر أنها من نمط المكي، وهذا أحد الأقوال التي ذكرناها قبل، و‏{‏كلاّ‏}‏ يجوز أن يكون ردّاً لأقوال قريش، ويحتمل أن يكون استفتاحاً بمنزلة «ألا»، وهذا قول أبي حاتم واختياره، و‏{‏الفجار‏}‏ الكفار، وكتابهم يراد فيه الذي فيه تحصيل أمرهم وأفعالهم، ويحتمل عندي أن يكون المعنى وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين، أي هنالك كتبوا في الأزل، وقرأ أبو عمرو والأعرج وعيسى‏:‏ ‏{‏الفجار‏}‏ بالإمالة و‏{‏الأبرار‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 18‏]‏ بالفتح قاله أبو حاتم، واختلف الناس في‏:‏ ‏{‏سجّين‏}‏ ما هو‏؟‏ فقال الجمهور‏:‏ هو فعيل من السجن كسكير وشريب أي في موضع ساجن، فجاء بناء مبالغة، قال مجاهد‏:‏ وذلك في صخرة تحت الأرض السابعة، وقال كعب حاكياً عن التوراة وأبيّ بن كعب‏:‏ هو في شجرة سوداء هنالك، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ في بر‏:‏ هنالك وقيل تحت خد إبليس، وقال عطاء الخرساني‏:‏ هي الأرض السفلى، وقاله البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال عكرمة‏:‏ ‏{‏سجين‏}‏، عبارة عن الخسران والهوان، كما نقول‏:‏ بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقال قوم من اللغويين‏:‏ ‏{‏سجين‏}‏، عبارة عن الخسران والهوان، كما نقول‏:‏ بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول، وقال قوم من اللغويين‏:‏ ‏{‏سجين‏}‏ نونه بدل من لام هو بدل من «السجيل» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما سجين‏}‏ تعظيم لأمر هذا السجين وتعجب منه، ويحتمل أن يكون تقرير استفهام، أي هذا مما لم يكن يعرفه قبل الوحي‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ من قال بالقول الأول في ‏{‏سجين‏}‏ ف ‏{‏كتاب‏}‏ مرتفع عنده على خبر ‏{‏إن‏}‏، والظرف الذي هو‏:‏ ‏{‏لفي سجين‏}‏ ملغى، ومن قال في ‏{‏سجين‏}‏ بالقول الثاني ف ‏{‏كتاب‏}‏ مرتفع على خبر ابتداء مضمر، والتقدير هو كتاب مرقوم، ويكون هذا الكلام مفسر في السجين ما هو‏؟‏ و‏{‏مرقوم‏}‏ معناه‏:‏ مكتوب، رقم لهم بشر، ثم أثبته تعالى ‏{‏للمكذبين‏}‏ بيوم الحساب والدين بالويل، وقوله‏:‏ ‏{‏يومئذ‏}‏، إشارة إلى ما يتضمنه المعنى في قوله ‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ وذلك أنه يتضمن أنه يرتفع ليوم عرض وجزاء، وبهذا يتم الوعيد ويتجه معناه و«المعتدي»‏:‏ الذي يتجاوز حدود الأشياء، و«الأثيم»‏:‏ بناء مبالغة في آثم، وقرأ الجمهور‏:‏ «تتلى»، بالتاء، وقرأ أبو حيوة‏:‏ «يتلى»، بالياء من تحت، و«الأساطير»‏:‏ جمع أسطورة وهي الحكايات التي سطرت قديماً، قيل هو جمع‏:‏ أسطار، وأسطار‏:‏ جمع سطر، ويروى أن هذه الآية نزلت بمكة في النضر بن الحارث بن كلدة وهو الذي كان يقول‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين‏}‏، وكان هو قد كتب بالحيرة أحاديث رستم واسبنذباذ، وكان يحدث بها أهل مكة، ويقول أنا أحسن حديثاً من محمد، فإنما يحدثكم ب ‏{‏أساطير الاولين‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ زجر ورد لقولهم‏:‏ ‏{‏أساطير الأولين‏}‏، ثم أوجب أن ما كسبوا من الكفر والطغيان، والعتو، قد ‏{‏ران على قلوبهم‏}‏، أي غطى عليها وغلب فهم مع ذلك لا يبصرون رشداً ولا يخلص إلى قلوبهم خير، ويقال‏:‏ رانت الخمر على عقل شاربها وران الغش على قلب المريض، وكذلك الموت، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

ثم لما رآه رانت به الخمر وإن لا يرينه باتقاء *** والبيت لأبي زيد، وقال الحسن وقتادة‏:‏ الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب، ويروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن الرجل إذا أذنب صارت نقطة سوداء على قلبه ثم كذلك حتى يتغطى» فذلك الرين الذي قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏}‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر‏:‏ ‏{‏بل ران‏}‏ بإدغام في الراء، وقرأ نافع‏:‏ ‏{‏بل ران‏}‏ غير مدغمة، وقرأ عاصم‏:‏ ‏{‏بل‏}‏ ويقف ثم بيتدئ ‏{‏ران‏}‏، وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ الإدغام وبالإمالة في ‏{‏ران‏}‏، وقرأ نافع أيضاً‏:‏ بالإدغام، والإمالة، قال أبو حاتم‏:‏ القراءة بالفتح والإدغام، وعلق اللوم بهم فيما كسبوه وإن كان ذلك يخلق منه واختراع لأن الثواب والعقاب متعلق بكسب العبد، و‏{‏كلا‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا إنهم على ربهم‏}‏ يصلح فيها الوجهان اللذان تقدم ذكرهما، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏إنهم عن ربهم‏}‏ هو للكفار، قال بالرؤية وهو قوله أهل السنة، قال إن هؤلاء لا يرون ربهم فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية مالك بن أنس عن مسألة الرؤية من جهة دليل الخطاب وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصص، وقال الشافعي‏:‏ لما حجب قوم بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضى، ومن قال بأن لا رؤية وهو قول المعتزلة، قال في هذه الآية‏:‏ إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه، وصلي الجحيم مباشرة حر النار دون حائل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم يقال هذا الذي‏}‏، على معنى التوبيخ لهم والتقريع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا الذي كنتم به تكذبون‏}‏، مفعول لم يسم فاعله لأنه قول بني له الفعل الذي يقال، وقوله‏:‏ ‏{‏هذا‏}‏ إشارة إلى تعذيبهم وكونهم في الجحيم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 29‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ‏(‏18‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ‏(‏19‏)‏ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ‏(‏20‏)‏ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏21‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ‏(‏22‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏23‏)‏ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ‏(‏24‏)‏ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ‏(‏25‏)‏ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ‏(‏26‏)‏ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ‏(‏27‏)‏ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ‏(‏28‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى أمر ‏{‏كتاب الفجار‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 7‏]‏، عقب بذكر كتاب ضدهم ليبين الفرق، و‏{‏الأبرار‏}‏ جمع بر، وقرأ ابن عامر‏:‏ «الأبرار» بكسر الراء، وقرأ نافع وابن كثير بفتحها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي‏:‏ بإمالتها، و‏{‏عليون‏}‏ قيل هو جمع على وزن فعل بناء مبالغة يريد بذلك الملائكة، فلذلك أعرب بالواو والنون، وقيل يريد المواضع العلية لأنه علو فوق علو، فلما كان هذا الاسم على هذا الوزن لا واحد له أشبه عشرين فأعرب بإعراب الجموع إذا أشبهها، وهذا أيضاً كقنسرين فإنك تقول طابت قنسرين ودخلت قنسرين، واختلف الناس في الموضع المعروف، ب ‏{‏عليين‏}‏ ما هو‏؟‏ فقال قتادة‏:‏ قائمة العرش اليمنى، وقال ابن عباس‏:‏ السماء السابعة تحت العرش، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هو عند سدرة المنتهى، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏عليون‏}‏‏:‏ الجنة، وقال مكي‏:‏ هو في السماء الرابعة، وقال الفراء عن بعض العلماء‏:‏ في السماء الدنيا، والمعنى أن كتابهم الذي فيه أعمالهم هنالك تهمماً بها وترفيعاً لها، وأعمال الفجار في سجين في أسفل سافلين، لأنه روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس‏:‏ أن أعمالهم يصعد بها إلى السماء فتأباها، ثم ترد إلى الأرض فتأباها أرض بعد أرض حتى تستقر في سجن تحت الأرض السابعة، و‏{‏كتاب مرقوم‏}‏ في هذه الآية خبر ‏{‏إن‏}‏ والظرف ملغى، و‏{‏المقربون‏}‏ في هذه الآية‏:‏ الملائكة المقربون عند الله تعالى أهل كل سماء، قاله ابن عباس وغيره، و‏{‏الأرائك‏}‏‏:‏ جمع أريكة وهي السرر في الحجال، و‏{‏ينظرون‏}‏ معناه إلى ما عندهم من النعيم، ويحتمل أن يريد ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ينظرون إلى أعدائهم في النار كيف يعذبون»، وقرأ جمهور الناس «تَعرِف» على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم بفتح التاء وكسر الراء «نضرةَ» نصباً، وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق وطلحة ويعقوب‏:‏ «تُعرَف» بضم التاء وفتح الراء، «نضرةُ» رفعاً، وقرأ «يعرف» بالياء، لأن تأنيث النضرة ليس بحقيقي والنضرة النعمة والرونق و«الرحيق»‏:‏ الخمر الصافية، ومه قول حسان‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل

و ‏{‏مختوم‏}‏، يحتمل أن يختم على كؤوسه التي يشرب بهما تهمماً وتنظيفاً، والأظهر أنه مختوم شرابه بالرائحة المسكينة حسبما فسر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ختامه مسك‏}‏، واختلف المتأولون في قوله‏:‏ ‏{‏ختامه مسك‏}‏ فقال علقمة وابن مسعود معناه‏:‏ خلطه ومزاجه، فقال ابن عباس والحسن وابن جبير معناه‏:‏ خاتمته أن يجد الرائحة عند خاتمته‏.‏

الشرب رائحة المسك، وقال أبو علي‏:‏ المراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع طيب الطعم، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏كان مزاجها كافوراً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 5‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏زنجبيلاً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 17‏]‏ أي يحذي اللسان، وقد قال ابن مقبل‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

مما يفتق في الحانوت ناطقها *** بالفلفل الجوز والرمان مختوم

قال مجاهد معناه‏:‏ طينه الذي يختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا إنما يكون في الكؤوس لأن خمر الآخرة ليست في دنان إنما هي في أنهار، وقرأ الجمهور‏:‏ «ختامه»، وقرأ الكسائي وعلي بن أبي طالب والضحاك والنخعي «خاتمه»، وهذه بينة المعنى‏:‏ أنه يراد بها الطبع على الرحيق، وروي عنهم أيضاً كسر التاء، ثم حرض تعالى على الجنة بقوله‏:‏ ‏{‏وفي ذلك فليتنافس المتنافسون‏}‏، والتنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه، فكأن نفسيهما يتباريان فيه، وقيل هو من قولك شيء نفسي، فكان هذا يعظمه ثم يعظمه الآخر ويستبقان إليه، و«المزاج»‏:‏ الخلط، والضمير عائد على الرحيق، واختلف الناس في ‏{‏تسنيم‏}‏ فقال ابن عباس وابن مسعود‏:‏ ‏{‏تسنيم‏}‏ أشرف شراب في الجنة وهو اسم مذكر لماء عين في الجنة وهي عين يشربها المقربون صرفاً‏.‏ ويمزج رحيق الأبرار بها، قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح وغيرهم، وقال مجاهد ما معناه‏:‏ إن تسنيماً مصدر من سنمت إذا عليت ومنه السنام، فكأنها عين قد عليت على أهل الجنة فهي تنحدر، وذهب قوم إلى أن ‏{‏الأبرار‏}‏ و«المقربين» في هذه الآية لمعنى واحد، يقال‏:‏ لكل من نعم في الجنة، وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن منزلة الأبرار دون المقربين، وأن ‏{‏الأبرار‏}‏‏:‏ هم أصحاب اليمين وأن المقربين هم السابقون، و‏{‏عيناً‏}‏ منصوب إما على المدح، وإما أن يعمل فيه ‏{‏تسنيم‏}‏ على رأي من رآه مصدراً، أو ينتصب على الحال من ‏{‏تسنيم‏}‏ أو ‏{‏يسقون‏}‏، قاله الأخفش وفيه بعد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يشرب بها‏}‏ معناه‏:‏ يشربها كقول الشاعر ‏[‏أبو ذؤيب الهذلي‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

شربن بماء البحر ثم تصعدت *** متى لجج خضر لهن نئيج

ثم ذكر تعالى أن الأمر الذي ‏{‏أجرموا‏}‏ بالكفر أي كسبوه كانوا في دنياهم ‏{‏يضحكون‏}‏ من المؤمنين ويستخفون بهم ويتخذونهم هزؤاً، وروي أن هذه الآية نزلت في صناديد قريش وضعفة المؤمنين، وروي أنها نزلت بسبب أن علي بن أبي طالب وجمعاً معه مروا بجمع من كفار مكة، فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثاً ونقصان عقل، فنزلت الآية في ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 36‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ‏(‏30‏)‏ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ‏(‏32‏)‏ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ‏(‏33‏)‏ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ‏(‏34‏)‏ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ‏(‏35‏)‏ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏مروا‏}‏ للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفارن وأما الضمير في ‏{‏يتغامزون‏}‏ فهو للكفار لا يحتمل غير ذلك، وكذلك في قوله‏:‏ ‏{‏انقلبوا فاكهين‏}‏ معناه‏:‏ أصحاب فاكهة ومزج ونشاط وسرور باستخفافهم بالمؤمنين يقال‏:‏ رجل فاكه كلابن وتامر هكذا بألف، وهي قراءة الجمهور، ويقال‏:‏ رجل فكه من هذا المعنى‏.‏ وقرأ عاصم في رواية حفص‏:‏ «فكهين» بغير ألف، وهي قراءة أبي جعفر وأبي رجاء والحسن وعكرمة، أما الضمير في‏:‏ ‏{‏رأوا‏}‏ وفي ‏{‏قالوا‏}‏‏:‏ قال الطبري وغيره‏:‏ هو للكفار، والمعنى أنهم يرمون المؤمنين بالضلال، والكفار لم يرسلوا على المؤمنين حفظة لهم، وقال بعض علماء التأويل‏:‏ بل المعنى بالعكس، وإن معنى الآية‏:‏ وإذا رأى المؤمنون الكفار قالوا إنهم لضالون وهو الحق فيهم، ولكن ذلك يثير الكلام بينهم، فكأن في الآية حضاً على الموادعة، أي أن المؤمنين لم يرسلوا حافظين على الكفار، وهذا كله منسوخ على هذا التأويل بآية السيف، ولما كانت الآيات المتقدمة قد نطقت بيوم القيامة، وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول‏:‏ ‏{‏فاليوم‏}‏ على حكاية ما يقال يومئذ وما يكون، و‏{‏الذين‏}‏ رفع بالابتداء وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على الأرائك ينظرون‏}‏ معناه‏:‏ إلى عذابهم في النار، قال كعب‏:‏ لأهل الجنة كوى ينظرون منها، وقال غيره بينهم جسم عظيم شفاف يرون حالهم، و‏{‏هل ثُوِّب الكفار‏}‏‏؟‏ تقرير وتوقيف لمحمد عليه السلام وأمته، ويحتمل أن يريد‏:‏ ‏{‏ينظرون هل ثوب‏}‏ والمعنى هل جوزي، ويحتمل أن يكون المعنى يقول بعضهم لبعض، وقرأ ابن محيصن وأبو عمرو وحمزة والكسائي‏:‏ «هثوب» بإدغام اللام في الثاء، قال سيبويه‏:‏ وذلك حسن وإن كان دون إدغام في الراء لتقاربهما في المخرج، وقرأ الباقون‏:‏ «هل ثوب» لا يدغمون، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كانوا‏}‏، حذف تقديره جزاء ما كانوا أو عقاب ما كانوا يفعلون‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏المطففين‏}‏ بحمد الله‏.‏